مع ازدياد تعقيد المشهد الاقتصادي وتنامي المنافسة على جذب الاستثمارات، أصبحت الأنظمة الضريبية الحديثة في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، إحدى أبرز الأدوات الاستراتيجية التي تعتمد عليها الدول لتعزيز الاستدامة المالية وترسيخ مرونة اقتصاداتها. ولم تعد السياسات الضريبية مجرد أدوات تقليدية لتنظيم الإيرادات العامة، بل أصبحت جزءاً أساسياً من منظومة أوسع، تهدف إلى دعم النمو الاقتصادي وتحقيق التوازن بين الاستقرار المالي وتحفيز بيئة الأعمال والاستثمار.
إن النظام الضريبي المتوازن والشفاف لا يقتصر دوره على تنظيم الإيرادات العامة، بل يمثل أحد أهم ركائز الثقة الاقتصادية التي تقوم عليها بيئة الأعمال الحديثة. ومن هذا المنطلق، حرصت دولة الإمارات العربية المتحدة على بناء منظومة ضريبية متطورة تجمع بين الكفاءة المالية والمرونة التشريعية، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني ويكرّس مكانة الدولة كوجهة عالمية للاستثمار والأعمال.
لم تُصمم المنظومة الضريبية في دولة الإمارات بوصفها أداة مالية تقليدية فحسب، بل كجزء من رؤية اقتصادية شاملة تسعى إلى تعزيز الاستدامة المالية وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية في إدارة الموارد العامة، تسهم في دعم مسيرة التنويع الاقتصادي التي تنتهجها الدولة، وبما ينسجم مع توجيهات القيادة الرشيدة والتوجهات الوطنية الرامية إلى بناء اقتصاد قائم على الابتكار والمعرفة والاستدامة.
ومن هذا المنطلق، تعمل الهيئة الاتحادية للضرائب على تطوير منظومة ضريبية حديثة تواكب التحولات الاقتصادية العالمية، وتدعم في الوقت ذاته تنافسية بيئة الأعمال في الدولة. ويقوم هذا التوجه على تعزيز الامتثال الضريبي الطوعي، وتبسيط الإجراءات، وتطوير الخدمات الحكومية بما يرسخ الثقة بين الجهات التنظيمية ومجتمع الأعمال ويعزز الشراكة مع القطاع الخاص.
ويُعد التحول الرقمي أحد أهم الأركان التي تعتمد عليها الهيئة في تطوير العمل الضريبي، حيث يجري توظيف التقنيات المتقدمة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، لتعزيز كفاءة العمليات التشغيلية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمتعاملين. ويهدف هذا التوجه إلى بناء منظومة ضريبية أكثر ذكاءً وكفاءة، قادرة على تسهيل الإجراءات وتعزيز الامتثال، بما يحقق التوازن بين كفاءة الإدارة الضريبية وتسهيل ممارسة الأعمال.
وقد انعكست هذه الرؤية الاستراتيجية على النتائج المحققة، حيث شهدت قاعدة المسجلين في النظام الضريبي نمواً ملحوظاً يعكس اتساع نطاق الامتثال وثقة مجتمع الأعمال في النظام الضريبي. حيث ارتفع إجمالي عدد المسجلين في النظام الضريبي إلى أكثر 1.2 مليون مسجل في النظام الضريبي.
كما واصلت الهيئة الاتحادية للضرائب تنفيذ برامج تطويرية تهدف إلى تعزيز كفاءة العمل الحكومي وتبسيط الإجراءات أمام المتعاملين، ومن أبرز هذه المبادرات برنامج "تصفير البيروقراطية "، الذي يمثل أحد التوجهات الحكومية الرائدة لتحسين الكفاءة التشغيلية وتقليل الإجراءات. وقد حققت الهيئة تقدماً ملموساً في هذا المجال، حيث تم تنفيذ 75 عملية تصفير في الدورة الثانية من البرنامج، شملت 40 عملية في المستوى الأول، و32 في المستوى الثاني، و3 عمليات في المستوى الثالث. وقد تركزت هذه العمليات بشكل رئيسي في خدمات التسجيل (48 عملية) والاسترداد (14 عملية).
وانعكست هذه الجهود بشكل إيجابي على تجربة المتعاملين، حيث ساهمت 75 عملية تطوير وتحسين، شملت الخدمات الرئيسية والداخلية في تحقيق نسبة 90% في مؤشر نبض المتعامل، وتصدّر دولة الإمارات المركز الأول عالمياً في مؤشر سهولة دفع الضرائب والأول عالمياً في مؤشر الضرائب وقلة البيروقراطية والتهرب الضريبي.
وفي إطار تعزيز التحول الرقمي، تواصل الهيئة تطوير منظومة "إمارات تاكس" باعتبارها المنصة الرقمية المتكاملة لإدارة الخدمات الضريبية في الدولة. وتتيح هذه المنظومة تنفيذ 44 إجراء ضريبي بكفاءة وسهولة، كما تدعم التكامل الإلكتروني مع الجهات الحكومية المعنية، الأمر الذي يسهم في تبسيط الإجراءات وتسهيل الامتثال الضريبي للشركات والأفراد.
لم يقتصر دور الهيئة الاتحادية للضرائب على تطوير الأنظمة والخدمات، بل امتد أيضاً إلى دعم المجتمع وتعزيز جودة الحياة. وفي هذا الإطار، تواصل الهيئة تنفيذ برنامج استرداد ضريبة القيمة المضافة للمواطنين عن بناء مساكنهم الجديدة، حيث بلغت قيمة طلبات الاسترداد التي تمت الموافقة عليها خلال شهري ديسمبر 2025 ويناير 2026 نحو 94.44 مليون درهم، وهو ما يعكس التزام الهيئة بتقديم خدمات حكومية مرنة تسهم في دعم المواطنين.
إن التجربة الضريبية في دولة الإمارات العربية المتحدة تمثل اليوم نموذجاً متقدماً في بناء منظومة ضريبية متوازنة تجمع بين الكفاءة المالية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني. فالتطوير المستمر للأنظمة والخدمات الضريبية لا يهدف فقط إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية، بل يسهم أيضاً في تعزيز ثقة المستثمرين والشركات في بيئة الأعمال في الدولة وترسيخ مكانتها كمركز اقتصادي عالمي.
ومع استمرار التحولات الاقتصادية العالمية، ستظل دولة الإمارات ماضية في تطوير منظومتها الضريبية بما يواكب أفضل الممارسات الدولية ويعزز قدرتها على دعم النمو الاقتصادي المستدام. وفي هذا الإطار، تواصل الهيئة الاتحادية للضرائب العمل على ترسيخ منظومة ضريبية أكثر ذكاءً وكفاءة ومرونة، تسهم في دعم تنافسية الاقتصاد الوطني وتعزيز استدامته للأجيال القادمة.
عبدالعزيز محمد الملا
مدير عام الهيئة الاتحادية للضرائب